عفيف الدين التلمساني

113

شرح مواقف النفري

وهذا التنزل هو ناطق بمضمون ما ذكرناه ، وبيانه أن معنى قوله : « إذا قلت لك أنا » أي إذا حصل لك تجل مني ذاتية مشاهدة ، فهذا هو المراد ، وأما بقية التنزل فيشهد بذلك ، وقوله : « فانتظرت أخباري » أي النطق بالصوت والحرف ، فلست من أهلي ، فدل على أن أهله هم الذين لهم الشهود الذاتي الذين لا تعلق لهم بالحروف والأصوات ، فإن قال قائل فهل للحروف والأصوات حضرة نسمع منها ، فالجواب نعم ، وهي عالم الشهادة بالشروط التامة ، ووجه كون هذا التنزل من مقام العزاء ، أن مشاهده له عزاء عن النطق ، وعن الحرف والصوت بالتجلي الذاتي ، وفيه معنى آخر هو واقع محقق وهو أن يقال للعبد : أيها العبد إذا تعرفت إليك كشفا وتجليا فتركت إقبالك على ما تعرفت به إليك وجنحت إلى ما يقتضيه العلم الخبري فأنت من أهل الحجاب لا من أهلي ، فإن نصيب المحجوب هو الخبر ، ونصيب أوليائه تعالى هو العيان والتجلي وهو المعبر عنه بقوله : « إذا قلت لك أنا » وهذا هو العوض . قوله : ( وقال لي : أنا الحليم وإن عظمت الذنوب وأنا الرقيب وإن خفيت الهموم ) . قلت : هذا التنزل يشبه أن يكون في طور العلم ؛ فإنه في تنزل سبق ذكر فيه ما مضمونه : اجعل ذنبك تحت رجليك واجعل حسنتك تحت ذنبك . وهذا فيه تحريض على أعراض السالك عن الحسنة والسيئة لاشتغاله بالحق تعالى وفيه مطلوبه . ومعنى الحليم : المتجاوز عن ذنب المذنب ، والرقيب هو الذي لا تأخذه الغفلة ، فيخفى عنه ما يرقبه ، والهموم هنا هي جمع هم ، وهو ما يهم المرء أن يفعل وهو القصد بالقلب . قوله : ( وقال لي : من رآني صمد لي ، ومن صمد لي لم يصلح على المواقيت ) . قلت : معناه : من رأى صمدانيتي كان من جملة ما صمد ، ولا يعتبر في معنى الصمد هنا أحد معانيه وهو المفسر بأنه الذي يصمد إليه الحوائج ، بل يفسر بالمعنى الثاني وهو أن الصمد الذي لا جوف له ، والإشارة فيه هي موافقة لهذا المعنى الثاني ؛ وذلك لأن الصمود بهذا المعنى هو شهود الوحدانية المطبقة التي لا تفاصيل فيها ، ومن شهدها أفسد عليه طور العلم ، وانفسد تبعا للعلم العمل ، وذلك لغيبة